أبي الفرج الأصفهاني
109
الأغاني
لما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله ، فانتظرته حتى جاء ، فلمّا رآني احتشمني وكان مجوسيّا ، فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته فيها ؛ فرحّب بي وأفرد لي جناحا في داره ، ووكلّ بي أخته [ 1 ] ، فقدّمت إليّ ما أحتاج إليه ؛ فلما كان العشيّ عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممّن يغنّي ، فنزلت إليه ، فجلسنا في مجلس قد صفّي [ 2 ] لنا فيه نبيذ وأعدّت لنا فاكهة ورياحين ، فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنّوا ، فلم أجد عند أحد منهم فائدة ؛ وبلغت النّوبة إليّ ، فضربت وغنّيت ، فقاموا كلَّهم إليّ وقبّلوا رأسي ، وقالوا : سخرت منّا ، نحن إلى تعليمك وأمرني بملازمته ؛ فقلت له : أيها الأمير ، إن لست أتكسّب بالغناء وإنما ألتذّه فلذلك تعلَّمته ، وأريد العود إلى الكوفة ، فلم أنتفع بذلك عنده وأخذني بملازمته ، وسألني : من أين أنا ؟ فانتسبت إلى الموصل ، فلزمتني وعرفت بها ؛ ولم أزل عنده أثيرا مكرّما حتى قدم عليه خادم من خدم المهديّ ، فلما رآني عنده قال له : أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك ، فدافعه عنّي ؛ فلما قدم الرسول على المهديّ سأله عما رأى في طريقه ومقصده ، فأخبره بذلك حتى انتهى إلى ذكري فوصفني له ؛ فأمره المهديّ بالرجوع إلى محمد وإشخاصي إليه ، ففعل ذلك وجاء فأشخصني إلى المهديّ ، فحظيت عنده وقدّمني . أوّل هاشميّ صحبه وأوّل خليفة سمعه : قال وسواسة في خبره عن إسحاق فحدّثني أبي قال : / كان أوّل هاشميّ صحبته [ 3 ] عليّ بن سليمان بن عليّ أخو جعفر ومحمد ، وكان فتاهم ظرفا ولهوا وسماحة ، ووصفني له جوانويه ومضى بي إليه ، فوقعت من قلبه كلّ موقع . وأوّل خليفة سمعني المهديّ ، وصفت له فأخذني من عليّ بن سليمان ، وما سمع قبلي من المغنّين أحدا سوى فليح بن أبي العوراء وسياط ، فإن الفضل بن الرّبيع وصلهما به . نهاه المهدي عن الشرب ومصاحبة ابنيه موسى وهارون فلما أبى ضربه وحبسه : قال إسحاق : فحدّثني أبي قال : كان المهديّ لا يشرب فأرادني على ملازمته وترك الشرب فأبيت عليه ، وكنت أغيب عنه الأيام ، فإذا جئته جئته منتشيا ، فغاظه ذلك منّي فضربني وحبسني ، فحذقت الكتابة والقراءة في الحبس ، ثم دعاني يوما فعاتبني على شربي في منازل الناس والتّبذّل معهم ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنما تعلَّمت / هذه الصناعة للذّتي وعشرتي لإخواني ، ولو أمكنني تركها لتركتها وجميع ما أنا فيه للَّه جلّ وعزّ ؛ فغضب غضبا شديدا وقال : لا تدخل على موسى وهارون البتّة ، فو اللَّه لئن دخلت عليهما لأفعلنّ ولأصنعنّ ؛ فقلت : نعم ؛ ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما ، وكانا مستهترين بالنبيذ ، فضربني ثلاثمائة سوط ، وقيّدني وحبسني . قال أحمد بن إسماعيل في خبره قال عمّي إسحاق فحدّثني أبي : أنه كان معهما في نزهة لهما ومعهم أبان الخادم ، فسعى بهما وبي إلى المهديّ وحدّثه بما كنّا فيه ، فدعاني
--> [ 1 ] في م : « جارية » . [ 2 ] في « مختار الأغاني » لابن منظور ( ص 103 طبع مصر ) : « هيء » . [ 3 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « عيسى » ، وهو تحريف . ( راجع « المعارف » لابن قتيبة ص 190 ) .